منير سلطان
118
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
مضروب الرّواق ، ممدود الأطناب ، مبسوط الباع ، مرفوع العماد ، ليس على الأرض من يعرف اللّه حق معرفته ، أو يعبده حق عبادته ، أو يدين بعظمته ، أو يعلم علو جلالته ، أو يتفكر في حكمته ، فكان كما وصفه اللّه تعالى ، جل ذكره من أنه نور ، فقال « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » [ الشورى - 52 ] فانظر - إن شئت - إلى شريف هذا النظم ، وبديع هذا التأليف ، وعظيم هذا الرّصف ، كل كلمة من هذه الآية تامة ، وكل لفظ بديع واقع ، قوله « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا » يدل على صدوره من الربوبية ، ويبين عن وروده عن الإلهية ، وهذه الكلمة بمنفردها وأخواتها ، كل واحدة منها لو وقعت بين كلام كثير ، تميّز عن جميعه ، وكان واسطة عقده وفاتحة عقده - وغرّة شهره وعين دهره . وكذلك قوله « وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا » ، فجعله روحا لأنه يحيى الخلق ، فله فضل الأرواح في الأجساد ، وجعله نورا لأنه يضيء ضياء الشمس في الآفاق ، ثم أضاف وقوع الهداية به . إلى مشيئته ، ووقف وقوع الاسترشاد به على إرادته ويبين أنه لم يكن ليهتدى إليه لولا توفيقه ، ولم يكن ليعلم ما في الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه ، وأنه لم يكن ليهتدى فكيف كان يهدى - لولاه ، فقد صار يهدى ولم يكن من قبل ذلك ليهتدى ، فقال « وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ » [ الشورى - 53 ] فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث فالكلمتان الأوليان مؤتلفتان ، وقوله « أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ » كلمة منفصلة مباينة للأولى ، فقد صيرها شريف النظم أسدّ ائتلافا من الكلام المؤالف ، وألطف انتظاما من الحديث المتلائم ، وبهذا يبين فضل الكلام وتظهر فصاحته وبلاغته ، والأمر أظهر ، والحمد للّه ، والحال أبين من أن يحتاج إلى كشف « 1 » . وهذا التحليل الذي قدمناه للباقلاني ، إذا عدنا إلى خيوطه ، أحسب أنه قد أراد ما أراده الجرجاني بعده من فكرة النظم ولكنه وقع دونه . وهذا لا يقدح في
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 186 و 187 .